أحمد زكي صفوت

525

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

أصحاب علىّ ، وابدأ بآل صوحان ، فإنهم مخاريق « 1 » الكلام ، فوصفهم له وصفا

--> وسأل معاوية عقيلا يوما عن قصة الحديدة المحماة ، فبكى وقال : أنا أحدثك يا معاوية عنه ، ثم أحدثك عما سألت : « نزل بالحسين ابنه ضيف فاستسلف درهما اشترى به خبزا ، واحتاج إلى الإدام فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح له زقا من زقاق عسل جاءتهم من اليمن ، فأخذ منه رطلا ، فلما طلبها عليه السلام ليقسمها قال : يا قنبر أظن أنه حدث بهذا الزق حدث ، فأخبره ، فغضب وقال : على بحسين ، فرفع عليه الدرة ، فقال : بحق عمى جعفر - وكان إذا سئل بحق جعفر سكن - فقال له : ما حملك أن أخذت منه قبل القسمة ؟ قال إن لنا فيه حقا ، فإذا أعطيناه رددناه - قال : فداك أبوك ، إن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم . أما لولا أنى رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقبل ثنيتك لأوجعتك ضربا ، ثم دفع إلى قنبر درهما كان مصرورا في ردائه ، وقال : اشتر به خير عسل تقدر عليه ، قال عقيل . واللّه لكأني أنظر إلى يد على وهي على فم الزق ، وقنبر يقلب العسل فيه ، ثم شده وجعل يبكى ويقول : اللهم اغفر لحسين فإنه لم يعلم . فقال معاوية : ذكرت من لا ينكر فضله ، رحم اللّه أبا حسن ، فلقد سبق من كان قبله ، وأعجز من يأتي بعده ، هلم حديث الحديدة ، قال نعم ، أقويت وأصابتنى مخمصة شديدة ، فسألته فلم تند صفاته ، فجمعت صبياني وجئته بهم والبؤس والضر ظاهر ان عليهم ، فقال : ائتني عشية لأدفع إليك شيئا ، فجئنه يقودني أحد ولدى - وكان عقيل قد كف بصره - فأمره بالتنحي ، ثم قال : ألا فدونك ، فأهويت حريصا قد غلبني الجشع ، أظنها صرة فوضعت يدي على حديدة تلتهب نارا ، فلما قبضتها نبذتها وخرت كما يخور الثور تحت يد جازره ، فقال لي : ثكلتك أمك ، هذا من حديدة أوقدت لها نار الدنيا ، فكيف بك وبي غدا إن سلكنا في سلاسل جهنم ؟ ثم قرأ : « إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ » ثم قال : ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه اللّه لك إلا ما ترى ، فانصرف إلى أهلك ، فجعل معاوية يتعجب ويقول هيهات هيهات ! عقمت النساء أن يلدن مثله - انظر شرح ابن أبي الحديد م 3 ص 82 . وقد أورد الشريف الرضى كلمة الإمام رضى اللّه عنه في هذا الصدد . « واللّه لأن أبيت على حسك السعدان مسهدا ، أو أجر في الأغلال مصفدا ، أحب إلى من ألقى اللّه ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد وغاصبا لشئ من الحطام ، وكيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى قفولها ، ويطول في انثرى حلولها ؟ واللّه لقد رأيت عقيلا وقد أملق حتى استماحنى من بركم صاعا ، ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الألوان من فقرهم ، كأنما سودت وجوههم بالعظلم ( العظلم بالكسر : سواد يصنع به ) وعاودنى مؤكدا ، وكرر على القول مرددا ، فأصغيت إليه سمعي ، فظن أنى أبيعه ديني ، وأتبع قياده ، مفارقا طريقتى ، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها ، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها ، فقلت له ثكلتك الثواكل يا عقيل ، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه وتجرنى إلى نار سجرها ( أي أضرمها ) جبارها لغضبه ؟ أتئن من الأذى ولا أئن من لظى ؟ انظر نهج البلاغة ج 1 : ص 283 . ( 1 ) مخاريق : جمع مخراق بالكسر ، وهو السيف ، والسيد ، والمتصرف في الأمور الذي لا يقع في أمر إلا خرج منه ( والثور البرى يسمى مخراقا لأن الكلاب تطلبه فيفلت منها ) وفلان مخراق حرب : أي صاحب حروب يخف فيها .